ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
46
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
فصل آخر يشتمل على وصية وموعظة وإشارات سلوك الطالب من كلام سيدي الأستاذ برهان الملة والدين سيدي إبراهيم الدسوقي ، قدّس اللّه روحه وأعاد علينا وعلى المسلمين من بركاته وبركات كلامه الذي فتح به عليه ، اللهم فهمنا كلامه فإن من فهم كلامه سعد ، وسعدت أيامه قال : الحمد للّه الذي اخترع الأشياء وابتدع ، وخلقها من العدم ، وسطح الأرض والسماء رفع وأنشأ الخلق من الماء والتراب والنهار وصنع وصوّر الأشباح والأرواح في الأجسام وأودع وشق لها آذانا وفما وعينين وجعل الآذان لموضع السمع ، وأسمع من أسمع ، ودور الوجه ، وزينه بالبهاء والجمال ونور يلتمع ، وأنطق اللسان بفصاحة الكلام ، وردّ الجواب في لا ونعم وكلام يسمع كل ذلك ليستدل على وحدانيته ، فإنه هو اللّه الواحد الأرفع ، فأهل العرفان في ميدان القبول قد مدتهم عنايته ، وعاد من بعض أوصافهم الورع متواضعين متصايلين تحت جناب الكريم ، يقصدون المكان الأوسع ، وكلما حلّ بهم حال أو مرّ بهم امتحان أو حط عليهم زمان تلذذوا بما جرى عليهم ولا يأخذهم بذلك جزع ، لو طرحت الجبال على رؤوسهم والبلاء كله عليهم ولا يأخذهم بذلك من شدة ذلك هلع ، عرفوا حقيقة المحبة وكشف لهم عن معنى الحبة والمحبة وتلذذوا بما شاهدوا من محبة محبوبهم فلا هرب ولا فزع غلال المحبة غلتهم وقيودها قيدتهم فما يرجعون عن محبوبهم ، قطعتهم سيوف المحبة قطع فمأمور أن لا يبيح ولا يشكو ولا يصيح ، ولا ينادي ، بل بالصمت لسانه قطع . ومنهم من غلب عليه حاله وترادفت عليه أحواله فصاح وجلب وانصرع . ومنهم من تمزق ومزق أطماره ، ولقلبه قطع ، ومنهم من تهتك وانهتك ، فدمعه على خديه يدمع ، أظهر حاله بالبكاء والعويل والوجد والنحيب والنحول المذيب والأمان من فيض المدامع تهمع لا قرار لمحب ولهان ولا متعلق نشوان ، لا منام ولا طعام ولا راحة ولا مضجع ، فكلما تمكن منهم حبهم لربهم وساقهم خوفهم والجزع ، وشدّد عليهم التشديد والإياس ، ولم يجدوا مطعم فمات من مات منهم وبقي من بقي ، فنسيم الصفاء والرجاء من بواطن سر قلوبهم تسمع ومن سكر بحب اللّه أو خاف من اللّه أشد الخوف تمزق وتقطع .